فتحَ عينيه فَلم يرَ شيئًا، ولولا ضوءٌ ضعيف تسرَّب من خصاص النافذة لظنَّ أنه أصيبَ بالعَمَى. لفَّه صمتٌ غير معتاد حتَّى لشَخْصٍ يعيش بمفرده.
لا بدَّ أنه انقطاع التيَّار الكهربائي مرة أخرى. مدَّ يده نحو هاتفه المحمول طلبًا لشيءٍ قليل من الضوء والوَنس والتسلية، فوجئ به جثة هامدة، وكان قد نسي أن يضعه على الشاحن حينَ عاد مرهقًا من العمل آخر النهار.
كان قد تناولَ وجبة سريعة مشَّبعة بالدهون، كبست على أنفاسه فاستسلم للنوم بملابسه الداخلية. هو الآن يتنفَّس في الظلام، أنفاسًا أهدأ، لكنه لم يستيقظ تمامًا بَعد، لا يدري أيواصل نومه أم ينهض ويخرج أو يفعل شيئًا له معنى.
في الأشهر الأخيرة فقط أصبح حريصًا على أن يفعل شيئًا بوقته، أي شيء لا يجعله يُفكِّر، أي شيء يسرقه من نفسه. يعمل أو يقرأ أو يخرج للتمشية أو مقابلة صديقته، التي شجعته على الإقلاع عن التدخين، لولا ذلك لوجدَ ولَّاعة في متناول يديه الآن. لا يدري أين قد يجد في هذه الشقة ولاعة أو كبريت. لم يجد نفسه مضطرًا لاستخدام المطبخ منذ أن انتقل إليها قبل أيام قليلة.
كانت شقَّة لُقطة، اشتراها من غير تردد وفوق البيعة ترك له صاحبها بعض الأثاث بحالة جيدة. لم يأخذ معه من الشقة المُشتركة التي كان يعيش فيها مع آخرين من المغتربين والطلَّاب إلَّا ثيابه وأمتعة قليلة وبضعة أجهزة كهربائية، مروحة ومكواة وغلَّاية للشاي، كانت المشكلة كالعادة في الكتب التي تركَ معظمها لرفاق السَكن السابق، وأخبرهم أن يفعلوا بها ما يشاءون.
هذه الشقَّة أوَّل شيء له قيمة حقيقية يمتلكه، شَجَّعته صديقته كما ساعده شقيقه بدفع جزء من المبلغ الكبير على أن يسدَّده له من راتبه، وبدا أنَّ الجميع يريدون منه أن يستقرَّ، وقد بلغ السادسة والثلاثين ولم يعد هناك وقت ليضيّعه في التأمُّل والأحلام ومحاولات العثور على ذاته، إلى آخره. رضخَ بعدم اكتراث وتقبَّل راضيًا تلميحات صديقته نحو المستقبل.
انقطعَ الصمتُ فجأة بعد أن أوشك على أن يغفو من جديد، فانتبه وقد ظهرَ في حلمه وجهٌ صارخ، وظنَّ أنه يسمع أصواتًا بعيدة وغريبة، كأنها صيحات مُلتاعة. وجدَ قلبَه يدق بشدة، أفزعه الوجه الصارخ ولم يدرِ إن كانت الأصوات حقيقية أم صدرت هي الأخرى من حلمه. خمَّن أنَّ الساعة بين العاشرة والحادية عشرة، ليس معه حتَّى ساعة يد. هل يفتح اللاب توب؟ لكن ماذا بعد أن يعرف الساعة، فيمَ يفيده هذا؟ لو انتظر قليلًا لعاد التيار الكهربائي وشحن الموبايل وأخذ حَمَّامًا وبدَّل ثيابه الداخلية المشبَّعة بالعرق، ولعرف ماذا يريد أن يفعل بعد ذلك.
أغمض عينيه وتخيَّل صديقته، كَم يحب شعرها الفحمي، حاول أن يستعيد رائحته، قال لها ذات مرة إنه يشبه شَعْر جميلات الهِنْد، فابتسمت وأمالت رأسها جانبًا حتَّى سقطت خصلات منه على وجهها فنفخت فيها ترفعها بشقاوة تثيره، كأنها طفلة في الثلاثين. كم يحب رائحة شعرها وأمواجه الدافئة، دسَّ أنفه في الوسادة وغرق في شَعْرها. تضاءلَ حَجمُه حتَّى أصبح مثل عقلة الإصبع في الكتاب المدرسي القديم، وأخذ يتأرجح بين خصلاتها متشممًا ومتذوقًا. سبح في أمواجٍ كثيفة داكنة، وسط ليل الفضاء الكوني بين النجوم، في تربة عتيقة خصبة تتخلق فيها جراثيم الحياة الأولى. ثوانٍ معدودة وانتبه من جديد على الصرخات المستغيثة، وتأكَّد هذه المرة من أنَّ بعضها حاد كأنه صرخات أطفال يُعذَّبون.
لم يجد بدًا من النهوض وسط الظلمة وتحسس طريقه في الشقة التي لم يزل جاهلًا بأبعادها، فتح نافذة ولم يستقبل ضوءًا كثيرًا من مصابيح السيارات المارة بالأسفل. كانت شقته في الطابق الخامس والعمارة بلا مصعد، ولعلَّ هذا أحد أسباب تخلُّص صاحبها السابق منها. ولعلَّها مسكونة، لكنه لا يؤمن بالخرافات، أو لعلَّه جُنَّ، فالصمت يلف الشارع الهادئ ولا أصوات إلَّا في رأسه.
هل يمكن للوحدة أن تودي بالمرء للجنون؟ لكنه لم يُجَن، فَها هو الصراخ يعود من جديد، واضحًا كأنه اقترب. لا بدَّ أنَّ أحد الجيران لديه مصدر طاقة من نوع ما، وربما هذا صوت فيلم أمريكي من أفلام الحروب ونهاية العالَم، وطبعًا قد يكون تقرير إخباري من مناطق حروب حقيقية.
من أين استمدَّ هذا الجار تيارًا كهربائيًا؟ هل عليه أن يعود للتدخين أم يخطب صاحبته ويتزوجها بسرعة قبل أن يفقد عقله نهائيًا؟ وماذا لو كانت الأصوات حقيقية؟ وماذا لو لم تكن فيلمًا ولا حتَّى نشرة أخبار؟ ماذا عساه أن يفعل وسط كل هذا الظلام؟
محمد عبد النبي
كاتب ومترجم