عن مجموعة ” جميعهم يتكلمون من فمي ” لأنيس الرافعي:
إذا واصلنا النظر إلى هذه المجموعة من داخل مشروع أنيس الرافعي الأوسع، أمكن القول إن “جميعهم يتكلمون من فمي” لا تمثل مجرد محطة جديدة في مساره، بل تمثل، إلى حد بعيد، لحظة انتقال دقيقة من تفكيك الكائن من الخارج إلى تفكيكه من الداخل. ففي أعمال مثل “مصحة الدمى” كان العطب يتجلى في صورة الإنسان وقد اقترب من الشيء، وفي “صانع الاختفاءات” كان الكائن يتوارى خلف أثره أو أدائه أو ملحقه الخارجي، وفي “مارستان الأقنعة” كان الوجه يضيع وراء تمثيلاته وأقنعته، أما هنا فإن المسألة تبلغ مستوى أكثر خفاءً وأشد قسوة: لم يعد التهديد موجهًا إلى صورة الإنسان فقط، بل إلى صوته، إلى ذلك الحيز الذي نظنه أكثر قربًا من جوهره وأكثر تعبيرًا عنه. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى هذه المجموعة بوصفها مرحلة من النضج الفني والفكري معًا، لأن الكاتب لم يعد يكتفي بمساءلة ما يحيط بالذات، بل صار يمس البنية الداخلية التي تتكلم بها هذه الذات، وتفكر بها، وتتوهم عبرها أنها ما تزال واحدة.
وهذا ما يجعل الكتاب، في أحد وجوهه العميقة، أكثر من مجرد مجموعة قصصية عن تعدد الأصوات؛ إنه كتاب عن استحالة البراءة في الكلام. فالكلام لم يعد يخرج من فم صافٍ، والذات لم تعد تتكلم من مركز نقي، واللغة لم تعد بيتًا مطمئنًا للكائن. كل شيء هنا مشوب، متداخل، متنازع عليه. حتى أكثر العبارات بساطة تحمل في أعماقها طبقات من الاستعارة والاقتباس والترديد والوراثة. إن الإنسان، في هذا العالم، لا يعبّر فقط؛ إنه يعيد إنتاج ما علق به من أصوات، حتى وهو يظن أنه يكتشف نفسه أو يعلنها. وهذه واحدة من أكثر الأفكار قسوة في الكتاب، لأنها تسحب من الذات ذلك الامتياز الرومانسي القديم الذي كان يجعلها مصدرًا نقيًا للكلام، وتضعها بدلًا من ذلك داخل شبكة هائلة من المؤثرات والآثار والندوب اللغوية التي تجعل صوتها نفسه محل اشتباه.
ومن هنا تنبع أيضًا القيمة الفنية للمجموعة، لا الفكرية وحدها. فأنيس الرافعي لا يكتب هذه الأسئلة وكأنه يدوّن تأملات نظرية على هامش القصة، بل يحاول أن يجعل شكل الكتابة نفسه حاملًا لهذا الاضطراب. ولذلك لا ينبغي أن نقرأ هذه النصوص بحثًا عن الفكرة وحدها، لأن في ذلك ظلمًا لها. إن قوتها لا تكمن في أنها تقول إن الذات متعددة الأصوات فحسب، بل في أنها تجعل القارئ يحس، عبر الإيقاع والتركيب والتوتر الداخلي للجملة، بأن هذا التعدد واقع فعلًا داخل اللغة. إن النصوص لا تُبنى هنا على استرسال حكائي هادئ، بل على نوع من الحساسية المرهفة تجاه النبرة، والتردد، والانقطاع، وتجاور الأصوات أو آثارها، بما يجعل القراءة نفسها شبيهة بالإصغاء إلى فضاء داخلي مزدحم، لا إلى راوٍ فردي مستقر. وهذه ميزة فنية نادرة، لأن كثيرًا من الأعمال تنجح في طرح الأسئلة، لكنها تفشل في تحويل هذه الأسئلة إلى شكل. أما هنا، فهناك محاولة واضحة لأن يصير الشكل نفسه ترجمةً للتمزق الذي يتحدث عنه النص.
ولا شك أن هذا يقودنا إلى مسألة الإيقاع في هذه الكتابة. فالإيقاع هنا لا يُفهم بوصفه مجرد موسيقى أسلوبية، بل بوصفه تمظهرًا من تمظهرات الصراع الداخلي بين الأصوات. هناك في النبرة ما يوحي بأن الكلام نفسه يتقدم بحذر، أو يلتفت وراءه، أو يتعثر بشيء غير مرئي، كأن الجملة لا تسير على أرض صلبة تمامًا. وهذا الإحساس مهم جدًا، لأنه يجعل القارئ لا يواجه خطابًا يملك نفسه، بل خطابًا يعرف أنه مراقَب من داخله، أو مأهول بما ليس له وحده. إن جمال هذه الكتابة لا يأتي من الزخرفة، ولا من التأنق اللفظي المجاني، بل من قدرتها على أن تنقل إلى السطح هذا الارتعاش الباطني، هذا الشك الذي يرافق كل عبارة تقريبًا، وهذه الهشاشة التي تجعل المتكلم لا يبدو سيدًا على لغته بل طرفًا في مفاوضة دائمة معها.
ومن هنا أيضًا تتحدد إحدى نقاط القوة الأساسية في هذا العمل، وهي أن أنيس الرافعي لا يقع في التبسيط الأخلاقي للمسألة. فهو لا يجعل من تعدد الأصوات مأساة خالصة ولا نعمة خالصة، بل يتركها في توترها الحقيقي. فالأصوات التي تسكننا قد تكون عبئًا، نعم، لكنها أيضًا شرط من شروط تشكلنا. واللغة التي نرثها قد تكون قيدًا، لكنها أيضًا الوسيلة الوحيدة التي نملكها لنفكر ونحب ونعترض ونحكي. لذلك لا يقف النص في موقع من يندب ضياع الصفاء الفردي فقط، بل في موقع من يفهم أن الذات، من الأصل، لم تكن يومًا صفحة بيضاء. ما يفعله الكتاب هو أنه يجعل هذه الحقيقة أكثر حضورًا وإيلامًا: نحن لا نتكلم من ذواتنا وحدها، ولكننا أيضًا لا نملك حياةً خارج هذا التشابك. ومن ثم فإن المأساة لا تكمن في وجود الآخرين فينا، بل في صعوبة أن نصوغ من هذا الحشد شيئًا يمكن أن نسميه، ولو مؤقتًا، صوتنا.
وهنا بالذات تتجلى القيمة الإنسانية لهذه المجموعة. فهي لا تنشغل بتفكيك المتكلم تفكيكًا باردًا أو تجريديًا، بل تمس شيئًا يعرفه كل إنسان على نحو ما، حتى لو لم يسمّه بهذه الدقة. من منا لم يشعر، في لحظة ما، أن كلامه ليس كله له؟ من منا لم يكتشف أن جملة خرجت من فمه إنما جاءت من أب، أو أم، أو معلم، أو بيئة، أو سلطة، أو جرح قديم؟ من منا لم يضبط نفسه وهو يكرر لغةً لم يخترها بالكامل، أو يُحاكم العالم من خلال مفردات لم يصنعها وحده؟ إن أنيس الرافعي يمنح لهذه الخبرة اليومية الملتبسة شكلاً أدبيًا رفيعًا، ويحوّل ما يمر في وعينا عابرًا ومبعثرًا إلى بنية فنية قابلة للتأمل. وهذه واحدة من علامات الأدب الحقيقي: أنه لا يخترع المشكلة من فراغ، بل يكثف ما نعيشه دون أن نملك أدوات كافية لرؤيته.
لكن، حتى تكون القراءة عادلة، لا بد من قول شيء آخر أيضًا: هذا النوع من الكتابة يحمل معه دائمًا خطرًا حقيقيًا، وهو أن يقترب أحيانًا من الإفراط في الوعي الذاتي. فحين يصير النص شديد الانشغال بسؤال الصوت، وسؤال من يتكلم، وسؤال اللغة ذاتها، قد يبتعد أحيانًا عن حرارة العالم الخارجي، أو عن تلك الحيوية الحكائية التي تمنح القارئ ملمسًا محسوسًا لما يقرأ. وهذه ليست ملاحظة قاطعة على العمل كله، لكنها احتمال قائم في هذا النوع من الأدب. بعض القراء قد يشعرون، عن حق، أن النص يطلب منهم كثيرًا من الانتباه والجهد، وربما أكثر مما يمنحهم من جهة التماسك الحكائي أو الانفعال المباشر. غير أن هذه الملاحظة لا تنقض قيمة المجموعة، بل تحدد طبيعتها. فهي كتابة لا تريد أن تكون ودودة إلى حد الاستهلاك، ولا واضحة إلى حد التبسيط، بل تراهن على قارئ يقبل أن يدخل في هذا القلق بدل أن يطلب من النص أن يُريحه منه.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الصعوبة في “جميعهم يتكلمون من فمي” ليست صعوبة مفتعلة بقدر ما هي نتيجة لازمة لموضوعها وأفقها. فمن غير الممكن تقريبًا أن يُكتب نص عن تشظي الصوت وانقسام الذات داخل كلامها بلغة مستقيمة تمامًا وبناء شفاف تمامًا، لأن ذلك سيكون خيانةً لتجربة النص نفسها. ولذلك فإن التمنع، والتردد، والالتفاف، والإيحاء، ليست كلها خصائص شكلية فحسب، بل هي امتداد عضوي للموضوع. وهذا ما يجعل العمل، رغم ما قد يسببه من مقاومة في القراءة، منسجمًا مع نفسه على نحو مقنع. إنه لا يكتب عن الأزمة من الخارج، بل يكتب من داخلها، وهذا فارق جوهري بين نص يصف التمزق ونص يجعل القارئ يمر به.
ومن زاوية نقدية أخرى، يمكن أن نرى أن هذه المجموعة تؤسس أيضًا لنوع من الأخلاق الجديدة في الإصغاء. فإذا كان الجميع يتكلمون من فم الفرد، فإن أول ما ينبغي على القارئ أن يفعله ليس الحكم السريع، بل الإصغاء. الإصغاء لا إلى الصوت الظاهر فقط، بل إلى ما يختلط فيه من طبقات، إلى ما يحمله من آثار، إلى ما يبدو شخصيًا لكنه مشترك، وإلى ما نظنه موقفًا فرديًا خالصًا وهو في الحقيقة نتيجة تاريخ طويل من السكن الداخلي للآخرين. بهذا المعنى، فإن الكتاب لا يعلمنا فقط كيف نقرأ الأدب، بل كيف نعيد النظر في الكلام الإنساني عمومًا. إنه يدفعنا إلى قدر من التواضع في فهم الذات، لأننا لم نعد نستطيع بسهولة أن ننسب الكلام إلى مصدر واحد نقي، كما يدفعنا إلى قدر من الحذر في الحكم على الآخرين، لأن أصواتهم هم أيضًا ليست خطية ولا بسيطة ولا معزولة عن ميراثهم الثقيل.
وإذا شئنا أن نصوغ حكمًا نقديًا عامًّا على هذا العمل، أمكن القول إن “جميعهم يتكلمون من فمي” من المجموعات التي لا تُقرأ مرة واحدة قراءة نهائية، بل هي من النصوص التي تحتاج إلى عودة، وإلى إعادة إصغاء، لأنها لا تعطي معناها على هيئة مفتاح جاهز. وهذا ليس شأنًا بسيطًا. فالأعمال العابرة تُستهلك بسرعة لأنها تقول نفسها كلها تقريبًا في القراءة الأولى، أما الأعمال التي تظل تحتفظ بشيء من مقاومتها فهي، في الغالب، الأقدر على البقاء. وهذا الكتاب من هذا الصنف. قد لا يمنح لذته بسهولة، لكنه يمنحها بعمق، وقد لا يهب القارئ اطمئنانًا سرديًا تقليديًا، لكنه يمنحه شيئًا أهم: وعيًا جديدًا بما يعنيه أن يكون للإنسان صوت.
وفي خاتمة هذا الامتداد من القراءة، أستطيع أن أقول إن أنيس الرافعي ينجح هنا في أن يجعل من القصة القصيرة حقلًا لواحد من أكثر الأسئلة الأدبية والإنسانية حساسية: سؤال المتكلم حين يكتشف أنه ليس وحده. وهذا الاكتشاف، على قسوته، هو ما يمنح الكتاب جماله الخاص. فالجمال هنا لا يأتي من التناغم، بل من كشف التمزق، ولا من وضوح الهوية، بل من اهتزازها، ولا من يقين الصوت، بل من ارتباكه. ولهذا فإن “جميعهم يتكلمون من فمي” ليست مجرد مجموعة عن الكلام، بل عن محنة الكلام، وعن الذات التي لم تعد تستطيع أن تعثر على نفسها إلا وهي تمر عبر الآخرين، وتتعثر بهم، وتتشكل منهم، وتحاول، رغم كل شيء، أن تنتزع من هذا الجموع الداخلية نبرةً تستطيع أن تنسبها إلى نفسها، ولو للحظة واحدة فقط.
محمد محقق
قاص و ناقد مغربي