whatsapp image 2025 12 07 at 4.53.46 pm

من بسة والخمس إلى صناع التريند: الانفتاح الاقتصادي يتحول إلى انفتاح رقمي

لو كان عكاشة حيًّا في عصر السوشال ميديا

لو كان أسامة أنور عكاشة حيًا بيننا الآن، في زمن السوشال ميديا وما بعد ثورات الربيع العربي، وشاهد معنا سقوطًا آخر للسرديات الكبرى في زمن ما بعد بعد الحداثة، لأعاد صياغة تيمة صعود “بسة” و”الخمس” بشكل عصري يتناسب مع ظروفنا الاجتماعية والاقتصادية. وربما منحهم أسماء جديدة: “أم فلان”، “المصفوع”، أو “المطرود”.

بسة والخمس والانفتاح الاقتصادي

قبل أن نصل إلى اللحظة الآنية، لا بد أن نتوقف أمام شخصيات عكاشة التي جسدت سياسات الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات.

“بسة” و”الخمس” كانا من جامعي السبارس في ثلاثينيات القرن الماضي. اختار لهما عكاشة اسمين يحملان أبعادًا نفسية دقيقة:

– “الخمس” إشارة إلى معيار ضئيل في القيمة.

– “بسة” تسمية دارجة لقطط الشوارع.

اشتركا في تمويل قوات الاحتلال الإنجليزي، بينما كان أبطال المقاومة الشعبية مثل طه السماحي ورفاقه يضحون بحياتهم من أجل التحرير. ومع أن طه يُستشهد، فإن نجم بسة والخمس يلمع مدعومًا بسياسة الانفتاح، حتى يتمكنا من شراء مصانع البدري – الباشا السابق – ويصبحا ندًّا لرجال الزمن الأرستقراطي.

من الانفتاح الاقتصادي إلى الانفتاح الرقمي

الأزمنة، مهما اختلفت، تعيد إنتاج نفسها باستمرار. فنجوم المرحلة الآن ليسوا رجال أعمال أو مقاومين، بل “المؤثرون” و”المدونون”.

لم يعد الشخص العصامي، الذي يبني مجده عبر رحلة علمية أو أدبية أو اقتصادية، هو القدوة. بل تحوّل النجاح إلى سلعة سائلة، كما وصفها زيجمونت باومان في الثقافة السائلة. الشهرة لم تعد هرمًا يتناسب مع العمر والعمل الجاد، بل أصبحت مرتبطة بالتريند والموضة. المواطن لم يعد فاعلًا في صناعة ثقافته، بل مجرد مستهلك لما تقدمه الخوارزميات.

صناعة التفاهة

الوثائقي الشهير The Social Dilemma يواجهنا بهذه الحقيقة: لم يعد المستخدم هو المستفيد، بل صار هو المنتَج. تباع بياناته وتُصاغ تجربته بما يخدم خوارزميات تكافئ الانتباه الفوري، حتى لو كان المحتوى فارغًا، تافهًا أو مضللًا. الأسوأ أن هذا النظام الرقمي لا يكتفي بصناعة نجوم زائفين، بل يترك أثرًا نفسيًّا عميقًا: إدمان، قلق، مقارنات مستمرة، وفقدان الجدوى من الطرق الكلاسيكية للنجاح.

لماذا نتقبل الرداءة؟

يبقى السؤال: لماذا تغيّرت تركيبة المجتمع النفسية والثقافية لتتقبل النماذج الرديئة وتُسيّدها عبر التريند والإعلام الخاص؟

في التسعينيات، حين شاهدت المذيعة منى الحسيني في حوار صريح جدًّا وهي تستضيف راقصة مصرية شهيرة، لفتني أنها تحدثت بلغة متزنة، بلباقة وأناقة واحترام. المفارقة أن نفس الفنانة، بعد سنوات ومع دخولها عالم السوشال ميديا، اتخذت نهجًا أقرب إلى سلوك المؤثرين، بلا التزام لفظي أو شكلي. الفرق أن المناخ العام في التسعينيات كان ما يزال يحتوي على نماذج راقية من فنانات مثل فاتن حمامة ومديحة كامل، أي كان هناك “نموذج يُحتذى”.

لكن كما يوضح آلان دونو في عصر التفاهة: “لم نعد نُحكم بالنخب أو الأقوياء، بل بالمتوسطيين عديمي الكفاءة”.

الانفتاح على “حرمات البيوت”

أتذكر أنني أنشأت حسابًا على فيسبوك عام 2009 بعد امتحانات الثانوية العامة. وضعت صورتي الشخصية بلا قلق، لكن سرعان ما انهالت النصائح من أقارب وزملاء بأن “هذا ليس من عرفنا”. نحن أبناء الطبقة المتوسطة تربينا على حساسية خاصة تجاه الخصوصية، حياتنا اليومية ومشاعرنا. كانت صورنا تُعد “حرمة”.

لكن ما الذي حدث حتى تحوّلت “حرمات البيوت” نفسها إلى محتوى يومي: غرف نوم، مطابخ، بل وأحيانًا دورات مياه؟ هل تغيّر الشعب المتدين بطبعه، أم انهارت قناعاته حين صار كشف الخصوصيات يُدرّ عملة صعبة؟

من الانفتاح الاقتصادي إلى الانفتاح الرقمي

أنا لست هنا لأدين أو أوافق، بل لأرصد. المجتمع الذي طالما قدّم نفسه بمظهر محتشم وملتزم أعاد إنتاج نفسه بشكل آخر. مع انهيار الاقتصاد وتدهور العملة، تغيّرت الأعراف: الخصوصية والسمعة حل محلها التريند والانتشار. صوت الهامش صار في المركز، يوجّه الرأي العام بدعم من الخوارزميات. وكما رصد عكاشة زمن الانفتاح وصعود طبقات جديدة غيرت البنية الاجتماعية، نحن الآن أمام انفتاح رقمي غيّر البنية النفسية والثقافية للشعب، الذي لم يعد مجرد مشاهد بل مشارك في صناعة وصعود التفاهة.

يقرر علماء الاجتماع دائمًا أن دراسة ظاهرة أو رصد تغيير في نسيج المجتمع لا يمكن توقيفه على سبب واحد فقط، لأن التغييرات الاجتماعية تتداخل فيها مجموعة من العوامل النفسية والاقتصادية والسياسية؛ وكان للإعلام الرسمي والخاص دور آخر في المساهمة بصعود التفاهة وتسييدها، ربما لقيامه بدور اللا دور، إذ أدى تراجع مستوى الإعلام وتحوله لأداة من أدوات الترويج للتريند إلى تخصيص برامج شهيرة لاستضافة نجوم التريند مهما كانت قيمتهم؛ لنعود لنقطة البدء وتحول الإعلام أيضًا لترس يدور في خدمة التفاهة. لم يعد للإعلام الدور الكلاسيكي في حفظ الجمال والتذوق الفني وخدمة طبقات المجتمع التي تكترث للفنون، بل أدى أيضًا إلى الانسلاخ التدريجي من الموروث الثقافي الهائل والميل نحو تطبيع القبح كنوع من الفضول والفضول تجاه كل ما هو تريند.

ولكن ما سبق بدوره يدفعنا إلى سؤال آخر: هل احتفظت الطبقات الاجتماعية بتماسكها في عصر ما بعد السوشال ميديا؟

لم يعد المشهد الاجتماعي كما كان قبل عقدين من الزمن. منصات السوشال ميديا قلبت موازين كثيرة، فلم تعد المسافة بين الغني والفقير، أو بين المثقف والبسيط، أو بين الفنان والهاوي، كبيرة كما كانت. بضغطة زر يستطيع أي شخص أن يتحدث، يعلّق، ويشارك المساحة ذاتها مع أسماء كان الوصول إليها فيما مضى حلمًا بعيد المنال، إذ يتجاور المحتوى الفاخر مع المحتوى الشعبوي والقبيح في نفس الحقل.

وبحسب ما يراه بيير بورديو: “(الأعمال الفنية بغرض الاستهلاك الجمالي كانت تبرز الفروق الطبقية وتميزها وتحميها، وكانت ترسم الحدود بين الطبقات وتعززها، فكان لا بد من تصنيف الأعمال الفنية بأسرها أو على الأقل أغلبية معتبرة منها في مجموعات جامعة مانعة لا تسمح باختلاط محتوياتها)”.

هذا الامتزاج أذاب الطبقات الاجتماعية القديمة لكنه أفرز أشكالًا جديدة من التراتب؛ فعدد المتابعين أصبح رأس مال، والتريند صار قوة نفوذ. إذ تراجعت المرجعيات الثقافية الكلاسيكية مثل النقاد والمثقفين والجامعات والمسارح وبرامج الإذاعة والتلفزيون لصالح السلعة الجديدة.

لكن قد يرى البعض أن هذا تحول ديمقراطي للذوق، إذ تنفتح أمامك كل الحقول وأمامك حرية الاختيار بعيدًا عن سلطة النخبة أو مقص الرقابة أو السلم الهرمي الروتيني للصعود. ويرى آخرون أن هذا يهدد معايير الجمال والفن ويشكل حالة من الفوضى، ولكنني حقيقة أرى أن السوشال ميديا أفرزت المجتمع بوجهه الحقيقي وبأطيافه المتعددة كمرآة كاشفة مهما كانت قسوتها أو فوضاها الخلاقة.

Picture of آلاء فودة

آلاء فودة

شاعرة وكاتبة مصرية

Scroll to Top