أنيسة امرأةٌ جميلةٌ، تمتلكُ عُيونًا حلوةً وجسدًا تظهرُ تفاصيله من تحتِ العباءة السوداء حين تمشي مسرعةً كعادتها، تلك العادةُ التي تميز الأطفال غالبًا. أما صوتُها حين تناديني أو تحدثني إذا التقيتها وهي في طريقها للقاء أمي، فإنه لا يغادرني أبدًا، بل أجده يندس معي تحت الفراش ويظل يتردد في دهاليز أحلامي المحتشدة بخيالاتي حولها!
صارت جارتنا في الحوش منذ الأيام الأولى التي وفدت فيها للحوش مع زوجها. أما زوجها فجارنا حسن، الذي كان يملك سيارةَ أجرةٍ صغيرةٍ اشتراها مباشرةً بعد زواجه بأنيسة وحصوله على حصته من تركة والده. كان حسن يعمل على سيارةِ الأجرة منذ الصباح الباكر ولا يعود إلى بيته إلا في وقتٍ متأخرٍ من المساء، وفي أيامٍ كثيرةٍ يتغيب ليومين أو ثلاثةٍ وأحيانًا أكثر، كان يذهب إلى قرى ومناطق بعيدةٍ، لأن ذلك يتيح له الحصول على مالٍ أكثر، هذا ما قالت أنيسة لوالدتي عندما تسألها عن سبب تغيب حسن الطويل عن البيت.
بيننا أقف أنا خارج الغرفة التي تجلسان فيها أتنصت على ما يدور وأشعر بمتعة التعرف على عوالم أنيسة وأسرارها. في وقتٍ مبكرٍ جدًّا علمت أن النساء مخلوقاتٌ من دمٍ ولحمٍ وأسرارٍ، وأنه لولا الحكي لما احتملن كل تلك الأسرار التي تملأ قلوبهن.
كنت أختبئ تحت النافذة مباشرةً أنظر لأنيسة الحلوة وقد تخففت من غطاء رأسها وظهر شعرها الفاحم ووجهها الذي لا يشبه وجه أيِّ امرأةٍ في الحوش. كانت تتحدث كطائرٍ لطيفٍ يغرد حزينًا في قفص، بينما أنا أنصت لكل كلمةٍ تقولها ويتغلغل صوتها في أذني فأشعر أني أغيب في عالمٍ من البهجة واللذة، أظل أدعو أن تطول زيارتها، لولا أن أمي تعتذر لزائرتها بانشغالات البيت المعتادة فتنسل أنيسة مغادرةً بالخفة والسرعة نفسها.
وبينما يكتسي وجه أنيسة بشيءٍ من الحسرة ويأخذ صوتها في التغير وكأنها على وشك البكاء عندما تسألها النساء متضاحكاتٍ، لا أدري لماذا؟ عن تغيب حسن الطويل وكيف تفعل في غيابه، تصمت أنيسة بينما يتدفقن هن بالأحاديث والقصص والادعاءات!
* * *
ذات مرة أخبرت أمي بشيءٍ من الحماس أن حسن طلب من ابن أخته أن يمر عليها ليطمئن عليها ويقضي لها احتياجاتها من السوق، فهي فتاةٌ غريبةٌ في هذه المدينة! قالت إن غيث أصبح يمر عليها بالفعل وأنها أصبحت ترتاح لأحاديثه، وبعدها بأيام قالت إنه عرض عليها أن يبيت عندها إذا كانت تشعر بالخوف في الليل! وهنا شعرت كأن نارًا اشتعلت في رأسي! اجتاحني شعورٌ غريبٌ لم أعرف سببه، شعرت بالحزن والغضب معًا، وكرهت غيث وحسن وكل من يقترب من أنيسة، أما أمي فصوَّبت لها نظراتٍ غاضبة وهزت رأسها باستياءٍ ظاهرٍ! ولم أفهم ما علاقة أمي بالأمر لتستاء هكذا!
بقي حسن على حاله، بل ازداد تغيّبًا بعد أن اطمأن أنه قد وضع حلًّا لمشكلة أنيسة، أما أنيسة فبدأت زياراتها لنا تتباعد يومًا بعد يوم، لم تعد تزورنا كما السابق، وحين تفعل، فإنها لا تشكو من غياب حسن كما كانت، ولا تبكي بسبب الخوف والوحدة! يبدو أن الأمور جرت على غير ما توقع حسن الذي لم يتنبه لذلك الخيط الرفيع الذي بدأ ينسج حكايةً خفيةً في ظلمة بيته، حيث لا أحد يدري ماذا يحدث هناك؟ فخلف الأبواب المغلقة ليس سوى الأسرار والتكهنات، بينما أنيسة امرأةٌ وحيدةٌ طوال الوقت، مشتعلٌة بالجمال ومزروعةٌ بنظرات الإعجاب، أما غيث فشابٌ مشتعلٌ هو أيضًا بالتهور والرغبات.
في تلك الأيام التي بدأت فيها الحكاية، كانت أنيسة في أول عهدها بحياة الحوش، لم تتوغل بعد في علاقاتٍ قويةٍ مع أهله، تنسيها غربةُ المدينة وبعد الأهل، وتلهيها عن غياب حسن ولو لبعض الوقت. لم يكن يكسر غربتها سوى زياراتها لبيتنا وحديثها مع والدتي التي وجدت فيها تعويضًا عن كل ما تفتقده في هذه المدينة.
جاءت أنيسة مع زوجها حسن من إحدى القرى الشرقية البعيدة لتستقر معه في مدينتنا، عازمةً على نسيان ما كان من أمر تلك الحياة المجدبة التي لم تطقها يومًا، ولتطلق العنان لخيالاتها التي تغذت على أفلام التلفزيون والتي لم تكن القرية تتسع لها. إلا أن أحلام أنيسة واحتياجاتها الكثيرة ارتطمت بواقع الحوش وفقر حسن وغيابه الطويل لتأمين لقمة العيش. لم تعثر أنيسة على حياةِ الأفلام التي ملأت خيالها لسنواتٍ طويلة حتى صدقتها وآمنت بأنها ستعثر عليها في المدينة التي يعيش فيها حسن.
حسدتها أختها وصديقاتها وجارات أمها يوم عاد ابن خالتها حسن إلى القرية بعد سنواتٍ طويلةٍ من الغياب وطلبها للزواج، ووعدها بأن يصحبها معه إلى المدينة التي تحلم بها. لم تصدق أذنيها حين أخبرتها والدتها بالأمر، شهقت، ولم تنم ليلتها، أخيرًا سترى المدينة وتعيش فيها، هناك حيث ينهمر الماء من الصنابير بدل الماء الذي تجلبه نساء قريتها على رؤوسهن من ينابيعٍ أسفل الجبل في رحلةٍ يوميةٍ مضنية، في المدينة ستنام مثل الناس هناك على أسرةٍ وثيرةٍ بأغطيةٍ ملونة بدل الفرش البائسة الممدودة على الأرض والتي حطمت عظامها. وعندما قال لها حسن ذات مرة إن الرجال يسافرون بالسفن إلى بلدانٍ لا تخطر ببال أحد، هناك حيث الأحلام والحياة المختلفة كما كانت تتخيلها، اتسعت عيناها وصرخت مبتهجةً، وباتت كل ليلةٍ تحلم بالسفر معه إلى تلك البلدان، لم لا؟
لا تزال تتذكر كلمات أختها:
– يا لحظك يا أنيسة، ستذهبين إلى المدينة وتتمتعين بالحياة التي نراها في الأفلام، وسيشتري لك حسن تلفزيونًا، أما نحن فسنبقى نذهب لنشاهده في بيت الوالي.
* * *
جاءت أنيسة للمدينة، وتعرفت على وجهها الحقيقي، وعلى الحياة فيها من خلال الحوش، عرفت المتاح والفتات والبقايا التي قال لها حسن إنه يعمل ليل نهار ليحضرها لها. وعرفت حسن المنشغل دائمًا والغائب أغلب الأيام. عبثًا حدثته، وعبثًا اشتكت لأمي، وعبثًا حاولت ترميم أحلامها بعد أن أيقنت أن المدينة ليست سوى «حوش الغرباء»، حيث يسكن حسن في بيتٍ أقل من متواضع! وأن التلفزيون الوحيد موجود في مجلس هلال (والي الحوش) فقط! الحوش الذي لا تنبت فيه الأحلام ولا تطير ولا تقايض بأي شيء.
كانت أمي تسمع منها ومن كل نساء الحي حكاياتٍ وأسرارٍ ومُشكلاتٍ ومصائبَ، وكما كانت تجيد الإصغاء فإنها تعرف جيدًا كيف تدفن كل ما تسمعه في كهف قلبها، فلم أسمعها يومًا تحكي لأبي شيئًا مما سمعته منهن. أما أنا فكنت أتلصص وأسمع دون أن ينتبه أحد لوجودي، وكنت مثل أمي لا أخبر أحدًا بما أسمع وأرى، صار قلبي كهفًا كبيرًا كقلب أمي تمامًا!
لكل واحدةٍ من نساء الحوش حكايةٌ، فامرأةٌ تحب بائعَ البقالة الضخم ذو الوجه المحفور بالجدري، تخرج لملاقاته كل يومٍ تحت جنح الظلام، وأخرى تكره زوجها البخيل الذي يمنعها من الطهي والاستحمام بحجة التبذير، لذلك تجهز نفسها منذ مدةٍ للهروب من الحوش ومن المدينة كلها فلم تعد تحتمل.
أما أكثرهن بؤسًا فتلك التي أخبرت أمي عن والد زوجها الذي لا يكف عن التحرش بها، وخاصة في الأوقات التي لا يوجد أحدٌ في البيت، فكيف تتصرف؟ كيف تخبر زوجها عن والده؟ ستفضح العائلة وسيطلقها زوجها وقد يقاطعها الجميع… أي بؤس! وأخرى تتذمر من قسوة أهلها وضربهم باستمرار لأنها تحب أن تلبس ثياب والدها وتدخن الغليون، لذلك تفكر في الهرب من الحي قبل أن تبعَت بالجنون للتغطية على أمورٍ أخرى!
كن يحكين بلا توقف بينما أمي تسمعهن بصبرٍ عجيب، أما أنا فلا أملك صبرها، كنت أخرج راكضًا إلى الخارج بحثًا عن هواءٍ أتنفسه عندما ينتهين من سرد حكاياتهن. كانت أحاديثهن تخيفني أحيانًا، ما عدا أحاديث أنيسة، فهل يمكن أن تكون هذه الحكايات حقيقية؟ أشعر حينها أن البيت يمتلئ بالكلام المخيف، تصير الحكايات والأسرار طوفانًا يملأ الغرف والفناء ويرتفع شيئًا فشيئًا حتى ما يعود بالإمكان أن أظل واقفًا على الأرض، فأخرج مسرعًا وأترك كل شيءٍ خلفي طافيًا: أمي وجاراتها، وأثاث البيت، وفرشنا التي ننام عليها أنا وأخوتي وأغطيتنا، ودراجتي وكتبي وأواني الطعام وثيابنا وأصص الزرع المعنية الصدئة التي تتوزع في الفناء. أغلق الباب خلفي جيدًا حتى لا يندفع الطوفان خلفي إلى أزقة الحي فيدمر الحي بمن فيه.
بعد غيابٍ طويل، زارتنا أنيسة، في ذلك اليوم تحدثت لأمي همسًا متلفتةً يمينًا ويسارًا خشية أن يسمعها أحد، كنت أقف في مكاني المعتاد خلف نافذة الغرفة التي يجلسون فيها، لم أسمع حديثهما، لكنني سمعت شهقة والدتي ورأيت تغيرَ ملامح وجهها، لقد اتسعت عينا أمي لحظتها وكتمت كلمةً كادت تفلت من فمها، لقد عرفت أمي سرًّا لم تحتمل أنيسة الاحتفاظ به لنفسها على ما يبدو!
ولأول مرةٍ تفشي لأبي سرًّا من أسرار جاراتها، سمعت جزءًا من الحديث الذي دار بينهما، ولم أكمل، أحسست بانقباضٍ لم أفهمه وبغضب، اجتاحني ما يشبه الحمى، لقد كان سرًّا صعبًا لم تستوعبه سنواتُ مراهقتي.
بعد أيامٍ طويلة، استفاق الحي باكرًا على صرخاتٍ آتيةٍ من جانب بيت أنيسة، كان ذلك صراخَ غيث الذي خرج من بيت خاله يصرخ كمجنون، بينما الناس يندفعون نحو البيت في فوضى عارمة: الرجال يركضون والجارات يصرخن، وأمي تمسك برأسها وتحث أبي على الذهاب لمعرفة ما يجري.
بينما أنا مسمرٌ خلف النافذة المطلة على الطريق أراقب الجميع كعادتي! رأيت أبي يسرع مع الجميع صوب البيت، بينما رجال يخرجون جثةً مغطاةً بملاءةِ سرير، أما غيث فكان يلهث راكضًا يصرخ: “أنا بريء! أنا بريء!”.
عاد أبي من الخارج مهمومًا، لم ينطق إلا بجملةٍ واحدة: غيث قتل أنيسة وهرب… فصرخت أمي وانخرطت في البكاء!
أما جارنا فقال: رأينا غيث يخرج من منزل حسن راكضًا عاري الصدر، لا ندري إلى أين ذهب، وقد سمعه الجميع يصرخ مرتجفًا:
– حسن قتل أنيسة!
كنت أسمع وأراقب بصمت، كأن صوتي ضاع ما بين قلبي وحلقي. وكنت أعرف أكثر مما يظن الجميع، لكنني لم أجرؤ على قول شيء!
* * *
في الليلة الماضية:
لا أدري كم كانت الساعة عندما خرجت من البيت، ليلةَ البارحة، كان الوقت موغلًا في الليل بينما الظلمة تملأ كل الأمكنة، وأنا أقف هناك، خلف الشجرة الكبيرة في فناء بيت أنيسة، أراقب الضوء الخافت من نافذة غرفتها، لحظتها رأيت كل شيء.
كان وجهها قد غادره لونه المشرق، أما صوتها فأشبه بأنين شخصٍ يتوجع. وكان حسن (أظنه كان حسن!) يقف أمامها، وفي يده حديدةٌ تلمع بوضوح (ربما كانت سكينًا).
ثم رأيت غيث يخرج مذعورًا، وهو يصرخ لم أتبين ما قاله، لكن صوته سرعان ما تلاشى وهو يبتعد.
تجمدت في مكاني، شعرت أن الهواء صار أثقل من جسدي، وأن الأرض تميد بي. حين عدت إلى البيت، كانت يداي ترتجفان، غسلتُهما طويلًا تحت الماء، لكن رائحةٌ ما ظلت عالقةً بهما طويلًا، تمامًا مثلما علق وجه أنيسة أمام عيني حتى إنني لم أجرؤ على النظر في المرآة لأسابيع، كنت أخشى أن أرى عيني أنيسة تنظران إليَّ.
عائشة سلطان
كاتبة وقاصة إماراتية