أطروحة شخصيَّة عن تحوّلات الجنس القصصيّ:
أَنْ تَجْرَحَ الأَبَدِيَّة بِدَبُّوس
(تناوبُ الغايات الرحبة والغايات الضيّقة)
أنيس الرّافعي
من دون شك، ثمَّة مداخلُ، وتوقُّعاتٌ، ومقترحاتٌ، وتخطيطاتٌ، وخططٌ، واستبصاراتٌ، وتصميماتٌ كثيرةٌ لا حصر لها، من أجل استبانة تحوّلات الجنس القصصي، على الأخص لمن ينظر إلى فن القصة القصيرة من داخل المغامرة الواسعة والقصوى لطروس الكتابة، باعتبارها استاطيقا لا توطنيَّة، مسكونةً بالنزوح والاغتراب المستمرَّين، وكذا بوصفها جغرافيا غير آمنةٍ ذات نشاطاتٍ بركانيَّة أو صَهاريَّة دائمة.
فمن خضم هذا الارتحال الإرادي صوب خرائطيّاتٍ سرديَّة غير مطروقة، ومناطقَ قصصيَّة محرّرةٍ من قيود المماثلة، ومن عُباب الارتدادات الزلزاليَّة، تلك التي تنسف، في كل مرَّة، المطلقَ، والمعيارَ، والنموذجَ الحكائيّ، يمكنُ رصد التحوّلات الجوهريَّة التالية:
– أوّلًا: على صعيد المعمار:
حيث تجدَّد المنوال السردي عبر ثلاث آليّات مركزيَّة:
أ- من المجموعة إلى الكتاب:
وذلك بانتقال القصّاصين الواعين والمفكَّرِ فيهم من محطَّة المجموعة القصصيَّة المنجَّمة إلى مفهوم الكتاب القصصي الجامع، فأُقصِيَتْ بذلك تفاوتات الزمن النفسي للتأليف، وتوحيد الموضوعات الكتابيَّة، ووضع التنضيد المسبق للهندسات الشكليَّة والبنائيَّة للمحكيات، على أساس إضباراتٍ تقنيَّة، ومفكّراتٍ نظريَّة، وسجلاتٍ تأمّليَّة، منذورةٍ جميعها، دون انقطاعٍ، للمحو والتهذيب وإعادة النظر، وكذا مفتوحةٍ، بلا إبطاءٍ، على رياح التعديل والتنقيح والهدم. وبموجب هذه العدَّة الهادية، ارتد القاص مهندسًا، بيد أنَّه لا يشبه غالبيَّة المهندسين النظاميّين، كونه يبدأ البناء من السقف، ولا يحتاج إلى جدرانٍ؛ يفترض الأسس، ثم يتخيّل الأبعاد، مثلما يحلو له، وكما تشاء ذائقته ما بعد الحداثيَّة.
ب- موسيقى المُتوالية:
إذ عكف كتّاب القصة القصيرة على توظيف مصطلحات (الحلقة أو التوليفة أو المَجْمَع) كي تشتغل حركة السرد في المتوالية القصصيَّة بشكلٍ لا خطي انسيابيٍّ، على أساس أن تكبر تمامًا كالموسيقى، وفق ديناميَّة مرنةٍ؛ فالحركة الأولى تغدو هي الثانية، والثانية هي الثالثة، وهكذا دواليك، دون لحظاتٍ فاصلةٍ أو مساحاتِ بياضٍ شاغرة. فكل حكايةٍ تموت من أجل حياة الحكاية الموالية، تُسلِم الروح فداءً للحكاية القادمة. وضمن هذا النسق الهارموني المطَّرد المتَّسق، استوعب القصّاصون أهميَّة عدم البحث عن الشكل الأمثل داخل متاهة المتوالية، وإنّما عن الصمت القابع في جوفها والمتكلّم بلسان أحوالها: الصمت بين نوتات القصص القصيرة، الصمت بين هاويتين متَّصلتين بجسرٍ وهميّ، الصمت المتحوّل، في آنٍ معًا، إلى مفتاحٍ وقفلٍ للمعاني، الصمت الذي يُمكِّن من سماع إيقاعات المتوالية وأغنياتها الباطنيَّة.
ج- تماهي الهامش والمتن:
إذا كان متنُ القصة القصيرة سطحًا هادرًا، فإن الهوامش هي أعماقه الصامتة، وكلاهما، بالتساوي، أضحيا بالنسبة إلى القصّاصين بمنزلة الدرجة العليا في مقياس السرد التقريبي المؤسَّس على الافتراض؛ السطح والعمق لم تعد ثمَّة مفاضلةٌ بينهما، ولا امتيازَ لأحدهما على الآخر، فهما يتبادلان، بالتناوب والترادف، فضيلةَ الغايات الرحبة والغايات الضيّقة داخل منظومة الحكي. لقد استوعب كتّاب هذا الجنس المتوعّر المحيّر جيّدًا أن للقصة القصيرة أقدارًا دراميَّة، كما لو أنّها جندي سيّئُ الحظ أُصيب في حروب الأجناس والأنواع المفتوحة، ثم تعرّض، على نحوٍ غادرٍ، لبترِ عضوٍ حيويّ؛ لذلك يأتي الهامش الشارح أو البنائي ليكون بمنزلة الطرف الصناعي المزروع أو المدمج، القادر على استعادة وظيفةٍ جماليَّة مغيّبةٍ أو مرجأةٍ لردحٍ طويلٍ من الزمن.
ثانيًا: على صعيد الفكر
كما هو معلوم، لكل فكرٍ قصصي أسطوريّاته المؤثَّثة، تلك التي ستصير، فيما بعد، مؤهَّلةً بدورها للزوال، والتآكل، والتقادم، كي تُعوَّض بمفاهيم بديلة. ومن بين هذه الأسطوريّات الراهنة، الأكثر شيوعًا، نذكر «المكعّب» الآتي:
أ- من تداخل الأنواع إلى حواريَّة الفنون:
عمدَ كتّاب القصة القصيرة إلى مراجعة طرائق تدبير عوالمهم القصصيَّة، وذلك بانتقالهم من محطَّة تداخل الأنواع إلى مرحلة حواريَّة الفنون والأنماط التعبيريَّة الزمانيَّة والمكانيَّة، فغدا الجنس القصصي مجالًا ثريًّا وواعدًا للانفتاح، والتصادي، والتنافذ مع وسائط، وخطابات، وأساليب تعبيريَّة، وإبستيميَّة أخرى (تشكيل، سينما، فوتوغرافيا، ميديولوجيا، موسيقى، كاريكاتير، مسرح، هندسة معماريَّة، نظريَّة الألعاب، رسوم متحرّكة، فنون الكوميكس، إثنوغرافيا…). وقد أفضت هذه العلائق التخوميَّة، والبرازخ النصيَّة، إلى تخصيب القصة القصيرة، وحقن أوردتها بأمصال مدوّناتٍ جديدةٍ ذات قوانين إحالةٍ مغايرة، ممّا كان له بالغ الأثر على هويَّة القصة القصيرة، التي أضحت استوائيَّة في موضوعاتها، وخلاسيَّة في أشكالها. لقد ود مبدعو القصة القصيرة، بهذا الفعل الانتهاكي المتعمَّد، أن يكسروا الفكر الجمالي التقليديّ، وأن ينخرطوا في تجربة الحدود، تلك التي تمثّل اختراقًا وانزياحًا عن المقاييس الشرعيَّة والجاهزة لكتابة القصة القصيرة.
ب- فقهُ الصنعة:
انتبه السواد الأكبر من القصّاصين إلى كون منجزهم عبارةً عن أعمالٍ أدبيَّة ذات أبعادٍ حرفيَّة أو تقنويَّة خالصة؛ أعمالٍ غير ناجزةٍ على نحوٍ وثوقيّ، في طور الانعتاق من رواسب المعيار والفطرة، ومن مختبر التصوّرات المسبقة، الشبيهة بتقليم وتحذية حوافر الكتابة القصصيَّة. إذ إن أي تبعيدٍ أو نفيٍ للصنعة يُفضي، بالضرورة، إلى إفقارٍ وإجدابٍ لأسلوبيَّة الجنس القصصيّ. وبموجب هذا الطرح العالِم صارت القصة القصيرة صناعةً تقليديَّة داخل المجمَّع التجاري العملاق للأدب؛ حرفةً ذات أسرارٍ ونواميس، طقوسها نبراسٌ في السرائر لا قوانينُ معلنةٌ على الملأ، فقهٌ خيالي ينضبط لأحكامٍ شبه دقيقة، ولمسائل شديدة الغموض، شرعةٌ جوانيَّة قبل أن تكون مظهرًا، ومنظومةٌ إشراقيَّة قبل أن تكون حادثةً أدبيَّة. ومتى ترسّخت هذه الصنعة وتأصّلت، انتقلت إقامتها من المجمَّع التجاري إلى حجرة التفكيك الخاصَّة بالمؤلّف، حيث الإمكانات لا محدودة، من أجل استقصاء الأصناف وتجريب الاحتمالات: قصة ما قبل النوع، قصة النوع، قصة عبور النوع، قصة ما وراء النوع، قصة ما بعد النوع، وقصة اللا نوع.
ج- الخريطة الجيو-قصصيَّة:
لا وجود، في عُرف الفن القصصي الراهن، على الإطلاق، لقصةٍ قصيرةٍ ما يجوز أن توسم بالمحليَّة أو الخصوصيَّة أو الإقليميَّة الضيّقة؛ فإمّا أن تكون ذات بعدٍ كوني إنسانيّ، أو ألّا تكون. قصةٌ قصيرةٌ تتوق إلى طعن مواقيت الحاضر بدبّوس الحكي، لعلّها تستطيع جرح الأبديَّة. ومن هنا، ابتدعت الأجيال الجديدة من كتّاب هذا الجرم الصغير خرائط كونيَّة جيو-قصصيَّة، خوّلت لهم التبحّر وتحقيق رحلات حج حكائيَّة، وكذا ضبط روزنامة مواعيد قرائيَّة وإنتاجيَّة مع مرجعيّاتٍ وذاكراتٍ من مختلف الجغرافيّات والتيّارات والحساسيّات والأطياف والأزمنة. وبموجب هذه الخريطة الطوبوغرافيَّة للذهن، والذائقة، والتذوّق، والتصييغ، أضحى كاتب القصة القصيرة الحالي مسافرًا سرمديًّا، ومتخصّصًا شغوفًا في الترحال السردي على سلسلة طرقٍ خياليَّة لا نهائيَّة، ذات قدرةٍ على نسج الصداقات الأدبيَّة البعيدة، ونظم المحايثات الثقافيَّة المتقاطعة، بغرض استجلاب التقنيات، والقوالب، والاستراتيجيّات، والصيغ المستحدثة لكتابة القصة القصيرة بأنفاسٍ أكثر رحابةً ورهافة. إن هذا المسافر السرمدي هو جزءٌ بنيوي من شبكةٍ نصيَّة مترابطةٍ ومعقّدة، لا حدود لتشقيقاتها، ولا تخوم لتناديها مع النظائر العليا، والأماثل السامقة.
ثالثًا: على صعيد التخييل
يُقال إن متخيّل القصة القصيرة بدايتُه مضيئة، غير أن نهايتَه ثقبٌ أسود يبتلعُ جميع افتراضات مصهر الكتابة الأجّاج، غير أنّنا سنلتقطُ منه ثلاث شظيّاتٍ حارقة:
أ- من المملوء إلى فرجات الفراغ:
فَطِنَ صُنّاع الفن القصصي إلى أن الحكي موجودٌ في الكون أصلًا قبل أن تظهر القصص القصيرة، وتتطوّر، فيما بعد، إلى سردٍ، ثم صارت تجريبًا فلسفتُه الفراغ؛ إذ لم يعد كافيًا أن نكتب في المملوء فحسب، بل صار من الضروري البحث في الفراغ القصصيّ، وما فيه، وما حوله. فالفراغ مادَّة صلبةٌ أيضًا لبناء المتخيّل، إلى جانب الكتلة والحجم السرديَّين. الما بين، أو فرجات الشيطان في تشييد القصص القصيرة، أُهمِلَتْ لعقودٍ طويلة، أو النظر إليها كفضاءاتٍ مفزعة، لكن، لحسن الحظّ، استعادَ الفراغ أهليّتَه وغائيّتَه لمّا اعتُبرت القصة القصيرة كونًا مصغّرًا «ميكروكوسموس» يمثّلُ الملء، مُحاطًا من شتّى أنحائه بالفراغ. إن خصيصة الفراغ في القصة القصيرة هدفُها الإنشاء لا المحو، كما تقوم بلاغة الفراغ في القصة القصيرة على اللا انتهاء، وتحاشي الوصول إلى نطاق معنىً نهائي مغلق. الآن، القصّاصون يكتبون كي يصير الفراغ «مسكونًا» بالحكي، يحلمون بفراغٍ قصصي على شكل قائمةٍ لا نهائيَّة من الخدع والأوهام البصريَّة الخلّاقة.
ب- مطاردة اللا مرئي:
حاول القصّاصون الجدد أن يتواصلوا، من خلال نصوصهم، مع اللا مرئي الذي يعيش متخفّيًا إلى جوار المرئي، وعلى مطاردة الأرواح البعيدة، الحيَّة أو الميّتة، الكامنة في المتخيّل الثقافيّ، في سعيٍ منهم للقبض على الخارق والعجيب، الذي يخاصر العادي والطبيعي داخل سيرورة حيواتنا. ولعل هذا الطموح المنخرط ضمن صيرورة التحوّلات والأداءات المحدثة توقٌ لاكتشاف «ما وراء القصة القصيرة»، مثلما اكتشف الفنّان الفرنسي بيير سولاج، في التشكيل، «ما وراء الأسود»؛ الأسود الذي بإمكانه أن يصير هو اللون واللا لون، والتجريب في اللا مرئي، الذي بمستطاعه أن يغدو هو الحكي واللا حكي. إن عمر الكتابة قليل، غير أن عمر اللا مرئي أزلي بلا خاتمة، وشرطُ اللا مرئي داخل القصة القصيرة أن لا يُعرَّفَ أبدًا من داخل الحدود المحروسة لنظريَّة السرد.
ج- التخييل الذاتي ودراما الأقنعة:
وصلت القصة القصيرة، في السُّلَّم الترتيبي لمتخيّلها، إلى مرحلة خيانة الأصل، أي نهاية الذات الخام ونفي السيرة الشخصيَّة الحقيقيَّة؛ إذ أضحت، تقريبًا، جميع مقوّماتها ومكوّناتها وعناصرها تُبتكر داخل ورشة القاص الخاصَّة، ضمن يافطة التخييل الذاتي المرآوي الصرف، على نحوٍ مصنوعٍ لا مطبوع؛ مصنوعٍ مثل إبرةٍ بلا يدٍ تواصل، لبرهةٍ، الخياطة وحدها في منزلةٍ رفيعةٍ من منازل القصة القصيرة. الذاتُ طفقت تقف خارج كيانها، وتراقب نفسها من بعيد، والقاص لم يعد يعرض ذاته الواقعيَّة الحميمة داخل قاعةٍ زجاجيَّة كي يتفرّج عليه القارئ، وإنّما يختلق ذاته على نحوٍ تجريدي تكتنفه الظلال والأطياف، ثم يقدّمها على نحوٍ مموّهٍ لمحفل التلقّي. ولعل شيوع دراما الأقنعة و«الدوبلغنجر» جعل مفاهيم (الشبيه، والمضاعف، والنسيخ، والمزدوج، والقرين الداخليّ، والآخر الذي يرفض الاختفاء من النفس، والأنا التعويضيَّة) تشيعُ وتستشري داخل مدوّنة القصة القصيرة منذ مستهل الألفيَّة الثالثة إلى يومنا هذا؛ فالقصة القصيرة والقاص شيزوفرينيّان ومنقسمان، بلا جدال، يتكاثران ويتضاعفان، بلا هوادة، داخل ماكينة التخييل الذاتيّ.
رحيقُ القول وصفوتُه، كانت هذه بعض تحوّلات الجنس القصصيّ، وكأنّي بها تسعة لوامس مبتورة من جسم قنديل بحر؛ اللّوامسُ عينُها التي طالما امتلكها فن القصة القصيرة بدوره، كي يجدّد، على الدوام، خلاياه، ويضمن سر خلوده الأبدي عقب موته وتحلّله في كل مرَّة، تمامًا كما يحدثُ لقنديل البحر غداة مرحلة «البُوليب». إذ ينتميان معًا إلى عزلة البحار الصامتة وجرح الأعماق السحيقة، كما ينتسبان، بامتياز، إلى أفق البتر والوصل، القادرِ، دون نصبٍ أو كلل، على مداواة أطرافه المقطوعة، أو استعادة الأجزاء المفقودة منها، أو على إعادة تموضعها لتغدو المسافة بينها متساويةً مدوَّزنةً متى فُصِمَتْ إحدى عراها أو مكوّناتها العضويَّة. وتبقى هذه التأمّلات نسبيَّة إلى حد بعيد، تتكلّم بألسنة أصحابها فقط، صنوَ القصص القصيرة تمامًا، التي هي سردُ الواحد المفرد الهامس، لا صوتُ الجماعة الصاخب.
أنيس الرافعي
قاص وكاتب مغربي