david fredrich

دمية فلورنتية & لدى جولييت بندقية

استوقفني رجلٌ عجوزٌ يشبه بينوكيو لو طال به العمر، ذو ذقنٍ رماديةٍ كثّة، وعينين سوداويْن ضيّقتين، تجاعيدُ عميقةٌ غضَّتْ الملامحَ الوسيمة يومًا، أفرولٌ بنيٌّ مُطرَّزٌ بأوراقٍ نباتيةٍ فوق قميصٍ كتّانيٍّ لم يُكْوَ جيدًا، لا يغطي ساقيه النحيلتين ولا بوطَه العسكريَّ القديمَ والمتسخ. لم أستطع أن أرفض حفاوته الغريبة، المنسكبة في ابتساماته اللطيفة المنبثقة من لحيةٍ شعثاءَ غيرِ مشذبة، وأمّا فمه الصغير الذي ما فَتِئ يمضغ عِرقًا من إكليل الجبل فقد بدا غريبًا طوال لَعثمَتِه برطانة إنجليزية مزقتها عباراتٌ بالإيطالية الفلورنتية. كنت أراقب ملامح وجهه، وتذكرتُ أن الناس في شوارع فلورنسا المرصوفة بالحجارة الأثرية، والمشبعة بسحر جمالٍ استثنائيٍّ وتاريخٍ لا يُصدَّق، لطفاءُ للغاية، يُصرّون على الابتسام في وجهك، يدعونك لتناول نكهات الجيلاتو ويقدّمون لك أطعمتهم الموسمية بسخاءٍ في مطاعمهم الحميمية الصغيرة، السباغيتي الساخنة الشهية وقطع البيتزا المربعة المحشوة بمقليّ الباذنجان والكوسا والطماطم المجففة، الريزوتو بالكريمة والكوسا والقريدس. أنت محاطٌ بالجمال من كل صوب، أنت لن تدرك ضياعَك الخاص… حقيقة!

هل ستشترينها؟ أم ستشترين هذا الصندوق الأثري؟

لم أجرؤ على النظر في وجه صاحب محلّ الأنتيكات الغريب المحشوّ بالعجائب وهو يشير لدميةٍ من البورسلان المخيفة كانت ترتدي ثيابًا جميلةً من العصر الفيكتوري وشعرها الكستنائيّ مسترسلٌ بغرابةٍ لا يشبه شعر الدمى. كل شيء بدا حقيقيًا إلا عينيها الزجاجيتين المحملقتين بالفراغ.

سآخذ هذه الكاميرا القديمة التي لا تاريخ لها، أو طقمَ الملاعق الفضية الذي يعود إلى الحرب العالمية الثانية. هذه الدمية تبدو قديمةً جدًّا ولعلّ ثمنها يفوق ما أملك.

تناول الدمية ذات العينين الزجاجيتين وقدّمها لي قائلًا بيد مرتجفةٍ برزت عروقُها الجافة:

– هذه هديتي لكِ أيتها الغريبة، إنها تحفةٌ حقيقيةٌ وعتيقةٌ جدًّا، وبإمكانك بيعها لاحقًا بثمنٍ باهظٍ مقابل شرطٍ واحد.

أثار اهتمامي فأنصتُّ بصعوبة للإنجليزية الركيكة، كنتُ كأي عربيةٍ منبهرةٍ بهم، بحضارتهم وبهندستهم المعمارية الخلابة، بتاريخهم الأسود الطويل، وبنَفَسهم الاستعماري اللطيف الذي يبدأ بابتسامة. كتبتُ له اسمي واسم أمي وجدتي واسم أمّ جدتي بلا تردد. كنتُ سأكتب له نسب شجرة العائلة لو كنت أعرف. كان لابد لهذه المقايضة أن تسمح لي بالحصول على هذه التحفة التي سأتباهى بها إن لم أعدْ لبيعها بثمنٍ باهظٍ يفوق توقعي، اسمُ عائلتي مقابل عراقةٍ افتراضيةٍ لدميةٍ أثريةٍ ستُباع لاحقًا على مواقع رقميةٍ خاصة.

في غرفة الفندق المطلّة على قبة كاتدرائية فلورنسا الشهيرة، استيقظتُ بعد نومٍ عميقٍ في جسد الدمية ذات العينين الزجاجيتين وحنينٍ يقضمُني لأزقة باب توما، أمّا روحُ ابنةِ بينوكيو التي عاشت قبلي في الدمية وانتقلت لجسدي فقد همست لي:

– مقايضةٌ ذكيةٌ يا حمقاء!

* * *

لدى جولييت بندقية

طليقٌ هو مثل أغنيةٍ يتداولها أثيرُ اللحظة. حرٌّ كوعلٍ جبليٍّ مسكونٍ بقنطورٍ شبقٍ يتدثّر بظلال الأشجار المتشابكة، كم يعشق تلك الغابة ويغنّي لها. يقف بينها وبين كل شيءٍ في روتينها اليومي، كشعاعِ الشمسِ في يومٍ ربيعيٍّ بدأ ثلجُه بالذوبان، لا يفارق أنفاسها. عادةً يتتبعها في ذهنه خطوةً تلو الأخرى، في تجواله ومكوثها.

بسببه عرفت ما الذي تفعله الغيرة بالحب، نارٌ تُغذّي كليهما فيتقدان رمادًا دون انطفاء. لم يكن في نيته الوقوع بحبّها، أراد أن يتوغّل في ذاتها الجميلة فضولًا، كانت امرأةً فريدةً لا تشبه سواها، بكرسيّها الخشبيّ ونافذتها القوطية المطلة على صحراء مكشوفةٍ وببندقيتها الغريبة التي اتكأت عليها بكلتا يديها، وثوبها الفيكتوري الداكن، وغطاءِ وجهها الشفيف، ونظراتها المبللة بالشوق لشيءٍ ما.

ولم تكن نيتها إلا أن يغدوا صديقين… فكلٌّ له عالمه ومحالٌ لقاؤهما. تملّكتها روحه المتوحّشة، وسطت على كيانها وأحبّته. كان آسرًا في كل شيء، في حنقه الطفولي، وغضبه العاصف المبهم، وحكاياته الرعوية الغريبة، يتجول مغويًا نساء المكان برعونة، وكم صبرت على احتراق دمه وبكت لأجله. لن ينالا بعضهما البعض، فبينهما حائلٌ عظيمٌ يمتدّ، لكنها تبقى في متناول يده هاجسًا تلو خيال، جسدًا وروحًا ورصاصًا واشتهاءً لا يموت. ويبقى في متناول يدها، كلّما هبّ عناقُه على الروح الشجية، قبَلًا طويلةً لا تسقط بالتقادم بل لحنًا عابرًا للخوف والغياب.

)جولييت تملك بندقية)… يهبّ بعذوبة شوقهما فيستيقظان، ولا ينالان بعضهما بعضًا إلا حين تمرّ السيدة فاتن بعطرها بينهما بألفةٍ مريعة. فينسكب الضوء على لوحتين أثيرتين باهظتين على جدارين متقابلين يفصلهما رواقٌ بسجادٍ فارسيٍّ ثمينٍ وآثارِ عطر، فترفع غطاءَ وجهها له مبتسمةً، فيهمس لها من عالمه المقابل:

– صباحُ الخير.

Picture of كنانة عيسى

كنانة عيسى

كاتبة وناقدة سورية

Scroll to Top